بيت الرواية”… دون كيشوت في المدينة: ضرورة الحلم”

تنطلق يوم الأربعاء 10 أكتوبر 2018 تظاهرة “دون كيشوت في المدينة: ضرورة الحلم” التي تتواصل حتى يوم الجمعة 12 أكتوبر، وسيكون الموعد في بيت الرواية مع عدد من اللقاءات تدور حول محاور تتعلق بدون كيشوت ويشارك فيها أدباء وروائيون من تونس والوطن العربي

ينتظم اللقاء الأول في “بيت الرواية” حول محور “دون كيشوت والحداثة الروائية” وذلك يوم الأربعاء 10 أكتوبر 2018 انطلاقا من الثالثة ظهرا بمدينة الثقافة ويشارك فيها كل من الروائي والأكاديمي “واسيني الأعرج” الذي سيقدم مداخلة بعنوان “المفارقة والسخرية لتدمير اليقين الوهمي” وفيها يتوقف عند دون كيخوتي دي لامانشا باعتباره نص المفارقات الكبرى، بين عالم انسحب بقيمه الكبرى ومنها الفروسية، وعالم هو في طور التكوين، بلا قيم واضحة. لهذا انبنت حداثة هذا النص ونصوص أخرى مثل قصص نموذجية nouvelles exemplaires على المفارقة الكبيرة التي تعني زمنا يتغير استطاع سيرفانتس أن يلقي القبض على نبضه. وقد تجسد ذلك في سلسلة من العلامات التكوينية في الرواية.

اولا فعل السخرية الذي يعني من بين ما يعنيه الانتقال نحو لغة غير حيادية. نقف معها ونحن على على ارض رجراجة. رجل يحارب طواحين الهواء وينتهي الى حالة تراجيدية. لكنه يخوض حربه ضد الشياطين وهو مؤمن حتى النهاية بما يقوم. نبل الفكرة ليس الانتصار ولكن خوض الحرب حتى عندما تكون الأسلحة غير متكافئة.

ثانيا. الحب كقيمة إنسانية. الحب الذي ينتقل بالانسان الى الأعلى وليس الحب النفعي. دولثيني التي تبدو لنا فلاحة عادية، هي بالنسبة لدون كيخوتي قيمة ساميةلا تنتهي ابدا. مفهومه الذهني للحب هو مفهوم انساني عميق بعيدا عن نفاق المجتمع. لا يكفي أن تحب ولكن ان تتعلم أيضا كيف تدافع عن حبك.

ثالثا. حقق سيرفانتس بكتابته باللغة الشعبية نقلة نوعية. قد تبدو تحتية لا ترتقي للغة العالمة لكنه اختارها لانها تعبير عن العمق الإسباني والانساني الخالد. لهذا عندما ترجمت هذه الرواية الى الفرنسية في البدايات مثلا، ترجمت من خلال لغة عالمة بالخصوص فياردو Viardo وكان يجب انتظار مدة طويلة حتى جاءت ألين شولمان Aline Shulmann وترجمت النص ترجمة شعبية، فأحدثت قطيعة مع الترجمات السابقة. الفعل اللغوي كان ثورة حقيقية في عالم الكتابة.

أما “حسونة المصباحي” فيقدم مداخلىة بعنوان “عن بورخيس وسارفانتس” وفيها يتعرض إلى إشارة بورخيس في سيرته الأدلبية بأن “دون كيخوتي” لسارفانتس  كان من بين الكتب التي قرأها بمتعة واهتمام في فترة طفولته إلى جانب كتب أخرى مثل “ألف ليلة وليلة”، و”جزيرة الكنز”  لروبرت لويس ستفنسون  ،و”أليس في بلاد  العجائب” للويس كارول. وقد قرأ كل هذه الكتب باللغة  الانجليزية. وفي ما بعد قرأ “دون كيخوتي” باللغة الأصلية، أي الاسبانية ليصبح أحد الكتب المفضلة لديه.

وكان بورخيس قد خيّر على مدى مسيرته الأدبية المديدة كتابة  القصة، عازفا عزوفا  تاما عن كتابة الرواية.  مع ذلك كان قد قام بترجمة ويليام  فوكنر الى اللغة الاسبانية بالاشتراك مع والدته التي كانت تتقن لغة شكسبير. كما أنه أشاد بأعمال روائيين كبار أمثال غوستاف  فلوبير،  وهنري جيمس، ودستويفسكي، وجيمس جويس، وشارل ديكنز، وكافكا. وكان يقول بإن الروايات  غالبا ما تصيب القارئ بالملل بسبب طولها وتشعب أحداثها وكثرة شخصياتها باستثناء عملين اثنين هما “ألف ليلة وليلة”، و”دون كيخوتي” لسارفانتس. ولعلّ  ذلك يعود بالنسبة له الى كثرة وتداخل القصص فيهما.

ويحضر سارفانتس وعمله “دون كيخوتي” في العديد من المقالات  التي كتبها بورخيس. كما يحضر  في أشعاره، وفي قصة شهيرة له  حملت عنوان:” بيار مينار، مؤلف دون كيخوتي”. وتعكس هذه القصة تلك الفكرة التي كان قد عبر عنها صاحب “قصص مُتخيلة” قائلا: “القراء الجيدون طيور نادرة، وأكثر فرادة وسرية من المؤلفين الجيدين”. في الآن نفسه تعكس هذه القصة فلسفة بورخيس في الكتابة التي   تنهض على مفهوم مثالي للأدب والزمن،  وتكون  تبعاته الفلسفية والميتافيزيقية قادرة على اختراق  المفهوم العادي والخطي للتاريخ الأدبي.

 ويتوقف الناقد الدكتور “محمد القاضي” في مداخلته عند “دون كيشوت والرواية الضديدة” الذي ينطلق فيه بالبحث في سؤال مزدوج: نظري وتاريخي. فمن الناحية النظرية، قامت رواية “دون كيشوت” لـ”سرفانتس” التي ظهرت بين سنتي 1605 و1615، على محاكاة ساخرة/باروديا تخييلية للمثل الأعلى للفروسية ولأخلاق القرون الوسطى، من خلال إنشاء عالم ممكن يوجه سهام النقد إلى القيم السائدة آنئذ ولا يتردد في الهزء منها. مما يجيز لنا أن نتساءل عن المقام الأجناسي الذي تتنزل فيه “دون كيشوت” باعتبارها رواية ضد الرواية. ومن الناحية التاريخية، فإنّ هذا النص، وإن استعاد بطريقة هزلية، جانبا من جوانب البطولة المفخمة التي بالغت في الاحتفاء بها روايات القرون الوسطى، لم يتحدث عن بطل حقيقي، بل أنشأ بطلا مقلوبا يثير الضحك والإشفاق أكثر مما يثير الرهبة والإعجاب، بما يمكن معه أن يوصف بأنه بطل ضديد، لرواية ضديدة أجمع الباحثون على أنها كانت حجر الأساس للرواية الحديثة، وإن كان مؤرخو الأدب يكادون يجمعون على أن مصطلح الرواية الضديدة ظهر أول مرة سنة 1633 في عنوان كتاب “شارل سورال” “الرواية الضديدة أو الراعي الغريب”. إن تلك العلاقة الملتبسة بين “دون كيشوت” والرواية الضديدة تفتح الباب على مصراعيه لرصد الأثر العميق الذي تركه ذلك النص في مجمل الإنتاج الروائي العالمي الحديث.

ويختتم الشاعر والروائي “منصف الوهايبي” اللقاء حول محور “دون كيشوت والحداثة الروائية” بمداخلة بعنوان “دون كيشوت: رواية ذاتيّة” يقارب فيها “دون كيشوت” باعتبارها “رواية ذاتية”، ويدافع “الوهايبي” عن مقاربته هذه قائلا “نقدّر أنّ هذا النصّ ينضوي إلى هذا الجنس حيث يلتبس التاريخ بالواقع والسيرة والرحلة أو السفر. والسرد أو القـَصَص مهما يكنْ نصيبه من الواقع، أو من الإيهام به، لا يعدو كونه تخيّلا أو افتراضا. وخير دليل لذلك هو اقتصاص أثر اللغة نفسها في هذا النمط من الخطاب، والعلائق المعقودة بين القصّ أو الإخبار في السياق الذي نحن به، والقصّة أو الحكاية. فثمّة صلات وثيقة بين الإخبار والحكاية، سواء في المستوى الزمني أو في مستوى الشخصيّة.

 وفي المستوى الأوّل يمكن أن نرصد علاقة التسلسل التاريخي أو الترتيب الزمني المعقودة بين فعل السرد أو الإخبار والأحداث المنقولة، في ضوء الطريقة التي تُروى بها. والسرد المتوخّى في الرواية أو في نصّها الحافّ. فأهمّ ما يميّز “الرواية الذاتيّة” كما نفضّل وليس “رواية التخييل الذاتيّ ” أنّ الشخصيّة الرئيسة متطابقة في الهويّة مع المؤلّف، غير أنّ ما تعيشه في القصّة من أحداث وما تتّخذه من مواقف بعيدان عن سيرة المؤلّف وما عاشه في الواقع المرجعيّ.”

مقالات ذات صلة المزيد عن المؤلف